تواجه مصر معادلة إقليمية معقدة في ظل تصاعد تهديدات جماعة الحوثيين في اليمن، بعدما حذرت الجماعة من أن أي دعم عسكري مصري للسعودية سيُعد «إعلان حرب». ويضع هذا التهديد القاهرة أمام خيارات صعبة، في وقت تسعى فيه إلى الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الرياض، وتجنب الانجرار إلى مواجهة إقليمية قد تترتب عليها تداعيات اقتصادية وأمنية وسياسية واسعة.
ووفقًا لما أوردته المجلة في تقرير للكاتب عمرو إمام، فإن القاهرة بدأت تراجع حساباتها بعد التصريحات الحوثية الأخيرة، لا سيما أن مصر اعتادت تجنب الانخراط المباشر في صراعات المنطقة، مستفيدة من حالة الاستقرار النسبي التي حافظت عليها وسط الاضطرابات المحيطة بها. غير أن تعهدها بمساندة السعودية قد يضع هذه السياسة أمام اختبار جديد.
تتمتع مصر والسعودية بعلاقات تحالف وثيقة، في حين تعرضت منشآت اقتصادية وبنى تحتية مدنية سعودية لهجمات الحوثيين المدعومين من إيران خلال الأشهر الأخيرة. وعلى خلفية ذلك، طلب رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي من البرلمان الموافقة على تقديم دعم عسكري دفاعي إلى المملكة، وهو ما وافق عليه البرلمان. لكن المسؤول الحوثي البارز محمد علي الحوثي حذر، في 27 أكتوبر، من أن هذه الخطوة ستجر القاهرة إلى الحرب الدائرة بين الجماعة والرياض.
وتدرك القاهرة أن استهداف الحوثيين لها ردًا على تقديم الدعم للسعودية قد يفرض عليها تكاليف اقتصادية وأمنية وسياسية كبيرة. لذلك، حرصت مصر على الابتعاد عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية التي أعقبت هجوم مقاتلين من غزة على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، واختارت ضبط النفس بينما دفعت إسرائيل مئات الآلاف من الفلسطينيين نحو الحدود المصرية مع قطاع غزة وسيناء، متجاهلة التصريحات التصعيدية الصادرة عن وزراء اليمين المتطرف الإسرائيلي.
سياسة الحياد ومكاسب الاستقرار النسبي
عقب الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة، استهدفت جماعة الحوثيين حركة الملاحة في البحر الأحمر، ما دفع شركات الشحن إلى تغيير مسارات سفنها وإبعادها عن قناة السويس، واختيار طريق أطول يمر حول الطرف الجنوبي للقارة الأفريقية. وعلى الرغم من الأضرار الكبيرة التي لحقت بالاقتصاد المصري جراء هذا التحول، تجنبت القاهرة الرد العسكري على الحوثيين.
وعندما بدأت إسرائيل والولايات المتحدة مهاجمة إيران في أواخر فبراير، ردت طهران باستهداف دول الخليج. وعرضت القاهرة تقديم مساعدات دفاعية لحلفائها، فنشرت طائرات مقاتلة لدى بعضهم، وقدمت أنظمة دفاع جوي إلى آخرين. كما كثفت تحركاتها الدبلوماسية لدفع جهود خفض التصعيد، عبر مسار قادته باكستان.
وفي الوقت نفسه، عملت مصر تدريجيًا على توسيع قنوات التواصل الدبلوماسي مع إيران، لكن أي هجمات حوثية تستهدف الأراضي المصرية من شأنها تعقيد هذه العلاقات، التي شهدت تحسنًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية.
وحققت مصر بعض المكاسب الاقتصادية نتيجة ابتعادها عن الصراعات الإقليمية المختلفة، إذ استفادت من زيادة أعداد السياح وتدفقات الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب مساعيها للتحول إلى مركز إقليمي لبيانات الذكاء الاصطناعي، وتوفير مسارات بديلة لإمدادات الطاقة إلى الأسواق الدولية، لا سيما بعد إغلاق طهران مضيق هرمز فعليًا.
وعززت هذه التطورات لدى صناع القرار المصريين الاعتقاد بأن سياسة عدم الانحياز إلى أطراف الصراعات تحقق مكاسب ملموسة في ظل التقلبات الإقليمية. لكن مصر لم تكن بمنأى تمامًا عن المخاطر؛ إذ كشفت ضربة بطائرة مسيرة استهدفت ميناء دمياط على البحر المتوسط أواخر يوليو أن الحياد لا يوفر حماية كاملة من تداعيات المواجهات.
والآن، يحذر الحوثيون القاهرة من أن التخلي عن حيادها قد يعرضها للخطر، ما يجعل قرار مواصلة تقديم الدعم للسعودية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
وفي طلبه موافقة البرلمان على إرسال دعم دفاعي إلى المملكة، قدم السيسي الخطوة باعتبارها تعبيرًا عن الامتنان للسعودية، تقديرًا لمساندتها المالية والسياسية لمصر خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ انقلاب الجيش، بقيادة السيسي، على حكومة جماعة الإخوان المسلمين المنتخبة عام 2013.
وبالتالي، تشعر مصر بالتزام أخلاقي تجاه مساندة حليفتها، لكن قرارات القاهرة لا تنطلق من اعتبارات الصداقة وحدها، بل تراعي المصالح المصرية أيضًا. فقد ظلت شبه الجزيرة العربية جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن القومي المصري، شأنها شأن المناطق العربية في بلاد الشام، إذ تربط اللغة والدين والثقافة والتاريخ المصريين بشعوب المنطقتين، اللتين شكلتا على المستوى الاستراتيجي حاجزًا أمام التوسع الإيراني والفارسي والتركي والعثماني.
أمن البحر الأحمر ومخاطر الانخراط في المواجهة
يسهم استقرار شبه الجزيرة العربية أيضًا في تأمين البحر الأحمر، الذي يتعين أن تظل ممراته مفتوحة أمام السفن العابرة لقناة السويس، شريان مصر الملاحي الحيوي. لكن سيطرة الحوثيين مؤخرًا على مناطق في غرب اليمن وجنوبه الغربي، وتصاعد هجماتهم على السعودية، يعكسان مسارًا مغايرًا، إذ يفتحان المجال أمام تنامي النفوذ الإيراني على الضفة الشرقية للبحر الأحمر، بما يشمل مضيق باب المندب الضيق، الذي يمثل بوابة خليج عدن.
ولا تقتصر المصالح الإيرانية على الضفة الشرقية للبحر الأحمر؛ فعلى الضفة الغربية، جنوب مصر، يشهد السودان حربًا أهلية عنيفة منذ عام 2023، بين القوات المسلحة السودانية، المتمركزة على الساحل، وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، التي تتخذ من دارفور قاعدة لها وتمددت نحو الجنوب. وتراقب إيران تطورات المشهد عن كثب، فيما قد تؤدي الهجمات الحوثية على مصر إلى تعقيد قنوات التواصل الدبلوماسي بين القاهرة وطهران.
وفي المقابل، فتحت الهجمات الإيرانية على دول الخليج منذ مارس الباب أمام احتمال تقارب بعض هذه الدول مع إسرائيل، خصوصًا إذا تزايد شعورها بتراجع استعداد الولايات المتحدة للاضطلاع بدور الضامن الأمني في المنطقة. ومن شأن هذا التقارب أن يهمش دور مصر في الترتيبات الإقليمية، ويحصر نفوذها داخل حدودها، ويبعدها عن أي نقاش بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب الأمريكية الإيرانية.
وتواجه مصر تهديدات أخرى محتملة لأمن البحر الأحمر، من بينها مساعي إثيوبيا، خصمها الإقليمي، المستمرة للحصول على منفذ على الساحل رغم كونها دولة حبيسة، إلى جانب اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي، في إطار توجهها لإنشاء قاعدة عسكرية هناك.
وتحول هذه المخاوف مشاركة مصر في الدفاع عن السعودية من خيار أمني تكتيكي إلى ضرورة استراتيجية. فالقاهرة باتت تدرك بصورة متزايدة أن الحياد قد يفرض تكاليف أكبر من الانخراط، وأن الحذر الأمني قد يؤدي إلى خسارة المكاسب الاستراتيجية التي راكمتها على مدار عقود.
ولا يمثل موقف الحوثيين من الدعم المصري للسعودية سوى تهديد واحد ضمن مجموعة أوسع من التحديات، لكن القوات المسلحة المصرية تمتلك قدرات عسكرية كبيرة قد تشكل عامل ردع. كما تزداد أهمية البحر الأحمر بالنسبة لمصر، في ظل النمو السكاني المتسارع واحتياجات البلاد إلى استيراد الموارد الطبيعية من الخارج.
وإذا استهدفت جماعة الحوثيين البنية التحتية المصرية، مثل المطارات والموانئ البحرية ومستودعات الطاقة والمناطق السياحية، فقد يؤدي ذلك إلى تقويض الاستقرار الاقتصادي في البلاد خلال وقت قصير، مع خسائر قد تصل إلى مليارات الدولارات، نتيجة إحجام المستثمرين والسياح عن القدوم إلى مصر.
ولم يغير تأكيد المسؤولين المصريين الطبيعة «الدفاعية» للدعم العسكري المقدم إلى السعودية من موقف الحوثيين؛ إذ تمحورت رسالتهم إلى القاهرة حول أن «أصدقاء أعدائي هم أعدائي أيضًا».
القاهرة أمام قرار حاسم ومخاوف من حرب استنزاف
من خلال تسليط الضوء صراحة على تخلي مصر عن الحياد، تسعى جماعة الحوثيين عمليًا إلى إخراج القاهرة من دائرة الدول التي يمكنها التوسط للتوصل إلى تسوية سلمية بين صنعاء والرياض، وهو الدور الذي تطمح مصر إلى أدائه.
وسبق أن حاولت القاهرة الاضطلاع بهذا الدور عبر التأكيد على الروابط الدينية المشتركة بين اليمنيين والسعوديين، وتشجيع الأزهر الشريف على إطلاق مبادرة لتوحيد الشعبين تحت راية الإسلام.
وإذا شن الحوثيون هجمات على مصر خلال الأيام المقبلة، فقد يدفع ذلك القاهرة إلى الرد عسكريًا، بما قد يزج بالقوات المسلحة المصرية في صراع معقد متعدد الجبهات. وتتمثل المخاوف داخل القاهرة في أن يؤدي هذا السيناريو إلى تورط البلاد في حرب استنزاف طويلة الأمد، تستنزف قدراتها العسكرية ومواردها الاقتصادية المحدودة.
ويحذر صناع القرار من مخاطر التوسع في التدخلات العسكرية، مستحضرين تجربة مصر في ستينيات القرن الماضي، حين أرسل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عشرات الآلاف من الجنود المصريين إلى شمال اليمن في تدخل عسكري انتهى بكارثة.
وقد أفرزت الحقائق الإقليمية المعقدة ما يصفه بعض المصريين بأنه فخ استراتيجي، ما يجعل القرارات التي ستتخذها القاهرة خلال الأيام والأسابيع المقبلة ذات أهمية كبيرة. فمصر مطالبة بالوفاء بتعهدها الدفاع عن السعودية، لكن كيفية تنفيذ هذا الالتزام دون تعريض البلاد لرد انتقامي من الحوثيين تظل مسألة مفتوحة على احتمالات متعددة.
Egypt’s options shrink amid growing Houthi threats | Al Majalla

